يقدّم إيسينيت في هذا التحليل قراءة معمّقة لاستراتيجية الأمن القومي الأميركية الصادرة أواخر 2025 في عهد الرئيس دونالد ترامب، ويجادل بأن الوثيقة لا تنسحب من الشرق الأوسط بقدر ما تعيد صياغة موقعه داخل الأولويات الأميركية، عبر نقل المنطقة من كونها ساحة صراعات عسكرية مفتوحة إلى فضاء شراكات وتقاسم أعباء وردع محسوب.
تعكس الاستراتيجية الجديدة رؤية “أميركا أولًا” بصورة أكثر وضوحًا وصلابة مقارنة بوثيقة 2017. تضع السيادة، وإحياء الصناعة الأميركية، وضبط الحدود، وإنهاء الهجرة غير النظامية، وتقاسم الأعباء مع الحلفاء في صلب الأمن القومي، لا بوصفها شعارات سياسية بل كأهداف تشغيلية موجِّهة للسياسات والميزانيات. تعزّز استراتيجية الدفاع الوطني هذه الرؤية عبر ترجمتها إلى خيارات عسكرية ملموسة، خاصة في ما يتعلّق بإيران، وأمن إسرائيل، ودور شركاء الخليج كمزوّدي أمن إقليميين في الخطوط الأمامية.
في هذا السياق، تعلن الوثيقة بوضوح أن الولايات المتحدة لا تنظر إلى جميع المناطق بالقدر نفسه من الأهمية في كل الأوقات. تحظى نصف الكرة الغربي ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ بالأولوية، بينما ينتقل الشرق الأوسط إلى مرتبة مختلفة: أقل مركزية في التخطيط العسكري اليومي، لكنه يظلّ إقليمًا ذا مصالح دائمة لا تسمح واشنطن بانزلاقه إلى الفوضى أو الهيمنة المعادية.
الشرق الأوسط: اهتمام دائم بلا مركزية مطلقة
تُعيد الاستراتيجية ضبط موقع الشرق الأوسط بعد عقود استنزف فيها قدرًا كبيرًا من الموارد الدبلوماسية والعسكرية الأميركية. تراجع الاعتماد الأميركي على نفط المنطقة، وتحوّل المنافسة الكبرى إلى ساحات التكنولوجيا والاقتصاد، ساهما في هذا التحوّل. مع ذلك، تؤكد الوثيقة أن واشنطن ما زالت تسعى إلى منع أي قوة معادية من السيطرة على موارد الخليج أو الممرات الحيوية، وضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز، ومكافحة الإرهاب، ودعم أمن إسرائيل، ودفع مسار التطبيع المرتبط باتفاقيات أبراهام.
ينتقل التركيز من إدارة عسكرية مباشرة للصراعات إلى الردع، والاستقرار السياسي، والشراكات الاستثمارية، وإدارة الأزمات بأقل كلفة ممكنة. تصف الاستراتيجية الشرق الأوسط باعتباره منطقة شراكة ورأس مال وابتكار، لا مسرح حروب طويلة. في الوقت نفسه، تحتفظ الولايات المتحدة بقدرتها على تنفيذ عمليات “مركّزة وحاسمة” عند الضرورة، كما ظهر في ضربات ضد إيران أو الحوثيين، مع توقّع أن يتولّى الفاعلون الإقليميون العبء الأمني اليومي بين هذه التدخلات.
نقل الأعباء: دول الخليج كمزوّدي أمن إقليميين
يبرز منطق تقاسم الأعباء بوضوح في مقاربة واشنطن لدول مجلس التعاون الخليجي. لا تنوي الولايات المتحدة الاستمرار في رعاية أمن المنطقة بالطريقة التقليدية، بل تتوقع من دول مثل السعودية والإمارات، وبدرجة أقل قطر، قيادة جهود حماية الممرات البحرية، وردع المغامرات المعادية، وتثبيت الاستقرار في محيطها، ومواجهة الشبكات المتطرفة. تبقى واشنطن سندًا استراتيجيًا في أعلى مستويات القوة، لكنها تراهن على تقسيم أدوار يمنح الخليج مسؤولية التشغيل والتمويل والدعم اللوجستي.
لا يمثّل هذا التوجه قطيعة مفاجئة، بل ترسيخًا لمسار قائم منذ سنوات. شهد الخليج بالفعل أدوارًا أمنية أكثر استقلالية، من مكافحة القرصنة إلى التدخلات الإقليمية. تعترف الاستراتيجية بهذه النزعة وتدمجها ضمن هيكل أمني أميركي أشمل، ما يمنح العواصم الخليجية شرعية ودورًا معترفًا بهما بدل التعامل مع تحركاتها كاستثناءات ظرفية.
من ساحة صراع إلى منصة اقتصادية وتكنولوجية
تعيد الاستراتيجية تصوير الشرق الأوسط كمنصة اقتصادية وتكنولوجية ومالية. تشدّد على فرص التعاون في الطاقة النووية، والذكاء الاصطناعي، والصناعات الدفاعية، وسلاسل الإمداد، والممرات اللوجستية العابرة للأقاليم. ينسجم هذا الطرح مع مساعي دول الخليج إلى تنويع اقتصاداتها والتحول إلى مراكز استثمار وابتكار عالمية.
تمنح هذه المقاربة دول الخليج فرصة لإعادة صياغة شراكاتها مع واشنطن باعتبارها مكاسب داخلية أميركية، من حيث خلق الوظائف، ودعم إعادة التصنيع، وتأمين سلاسل الإمداد. تعزّز استراتيجية الدفاع هذا الربط عبر اعتبار مبيعات السلاح والتعاون الصناعي الدفاعي جزءًا من دعم القاعدة الصناعية العسكرية الأميركية، لا مجرد أداة توازن إقليمي.
إيران بين الردع والعمليات الحاسمة
تعكس الوثيقة قناعة بأن نفوذ إيران تراجع بفعل الضغط العسكري الإسرائيلي والضربات الأميركية المحدودة. لكنها تواجه اختبارًا مع تصاعد الاضطرابات الداخلية في إيران، ما يجعل النظام أكثر هشاشة وأقل قابلية للتنبؤ. تحذّر واشنطن طهران من أن أي تصعيد أو قمع إضافي قد يستدعي ضربات جديدة، بينما تتوقع من شركائها الخليجيين وإسرائيل احتواء القدرات التقليدية والوكيلة لإيران، مع تدخّل أميركي عند الحاجة.
تثير هذه المعادلة قلقًا خليجيًا مشروعًا من احتمالات الرد الإيراني عبر الصواريخ أو المسيّرات أو الهجمات السيبرانية. في الوقت ذاته، توازن الاستراتيجية بين الردع والسعي إلى صفقات سلام وتسويات، معتبرة الدبلوماسية الرئاسية أداة مركزية، مع الاحتفاظ بخيار القوة تحت شعار “السلام عبر القوة”.
مشهد قابل للإدارة لا للذعر
لا تُفاجئ الاستراتيجية صانعي القرار في الخليج بقدر ما تفرض إعادة معايرة. تدرك العواصم الخليجية أن واشنطن تجاوزت مرحلة بناء الدول والالتزامات المفتوحة. في المقابل، يعترف الإطار الجديد بدور الخليج كركيزة للاستقرار الإقليمي وشريك اقتصادي وتكنولوجي أساسي. يظل الثمن واضحًا: إنفاق أمني أعلى، واندماج أعمق، واستعداد لتحمّل مخاطر يومية أكبر.
في المحصلة، لا تُقصي استراتيجية ترامب الشرق الأوسط، بل تعيد تعريفه. تضع دول الخليج في قلب نموذج يقوم على تقاسم الأعباء، وتمنحها مساحة لتكون فاعلًا ناضجًا لا تابعًا، ضمن معادلة تسعى إلى ضبط الصراعات بأدوات محدودة، وتحقيق مصالح متبادلة، وتجنّب العودة إلى حروب بلا نهاية.
https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/trumps-national-security-strategy-doesnt-downgrade-the-middle-east-it-redefines-it/

